سعيد حوي

1739

الأساس في التفسير

عَمَلَهُمْ . أي : مثل ذلك التزيين الواضح البطلان ، زينّا لكل أمة من أمم الكفار ما هم عليه من العمل ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ . أي : مصيرهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . أي : فيخبرهم بما عملوا ، ويجزيهم عليه . قال الألوسي بمناسبة هذه الآية : « واستدل بالآية على أن الطاعة إذا أدّت إلى معصية راجحة وجب تركها ، فإن ما يؤدي إلى الشر شر ، وهذا بخلاف الطاعة في موضع فيه معصية لا يمكن دفعها ، وكثيرا ما يشتبهان ، ولذا لم يحضر ابن سيرين جنازة اجتمع فيها الرجال والنساء ، وخالفه الحسن قائلا : لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا » للفرق بينهما . ونقل الشهاب عن المقدسي أن الصحيح عند فقهائنا أنه لا يترك ما يطلب لمقارنة بدعة ، كترك إجابة دعوة لما فيها من الملاهي ، وصلاة جنازة لنائحة فإن قدر على المنع منع ، وإلا صبر ، وهذا إذا لم يقتد به وإلا يقعد لأن فيه شين الدين . وما روي عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه - أنه ابتلي به - كان قبل صيرورته إماما يقتدى به . ونقل عن أبي منصور أنه قال : كيف نهانا اللّه تعالى عن سب من يستحق السب لئلا يسب من لا يستحقه ، وقد أمرنا بقتالهم وإذا قاتلناهم قتلونا ، وقتل المؤمن بغير حق منكر ، وكذا أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالتبليغ والتلاوة عليهم وإن كانوا يكذبونه . وأنه أجاب بأن سب الآلهة مباح غير مفروض ، وقتالهم فرض ، وكذا التبليغ وما كان مباحا ينهى عما يتولد منه ويحدث ، وما كان فرضا لا ينهى عما يتولد منه . وعلى هذا يقع الفرق لأبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه فيمن قطع يد قاطع قصاصا فمات منه فإنه يضمن الدية لأن استيفاء حقه مباح فأخذ بالمتولد منه ، والإمام إذا قطع يد السارق فمات لا يضمن لأنه فرض عليه فلم يؤخذ بالمتولد منه . ومن هنا لا تحمل الطاعة فيما تقدم على إطلاقها » . أقول : يفهم من كلام الألوسي وبعض الأقوال التي نقلها أن الطاعة إذ كانت مفروضة أو واجبة أو سنة أو مندوبة فإننا نفعلها ولا نبالي بما يترتب على ذلك ، أما إذا كان أمر من الأمور مباحا ولو فعل ترتّب على ذلك مفسدة أو مصلحة فإنّه عندئذ يتردّد في هذا الأمر فإن وجدت المصلحة أقدم وهو مأجور ، وإن وجدت المفسدة أحجم وهو مأجور ، وإن كثيرا من الأمور تحتاج إلى موازنات كثيرة قبل الإقدام على شئ منها .